الشيخ محمد رشيد رضا
88
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ان رجلين ممن دخل النار يشتد صياحهما فقال الرب جل جلاله : أخرجوهما فإذا أخرجا فقال لهما لاي شيء اشتد صياحكما قال فعلنا ذلك لترحمنا . قال رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار ، قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها اللّه سبحانه عليه بردا وسلاما ، ويقوم الآخر فلا يلقى نفسه فيقول له الرب ما منعك ان تلقي نفسك كما القى صاحبك ؟ فيقول رب اني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها . فيقول الرب تعالى لك رجاؤك فيدخلان الجنة جميعا برحمة اللّه ( وذكر الأوزاعي ) عن بلال بن سعد قال يؤمر باخراج رجلين من النار فإذا أخرجا ووقفا قال اللّه لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما ؟ فيقولان شر مقيل وأسوأ مصير صار اليه العباد ، فيقول لهما ذلك بما قدمت أيديكما وما انا بظلام للعبيد . قال فيؤمر بصرفهما إلى النار فاما أحدهما فيغدو في اغلاله وسلاسله حتى يقتحمها وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في اغلاله وسلاسله حتى اقتحمها ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها ؟ فيقول اني خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانيا ويقول للذي تلكأ ما حملك على ما صنعت ؟ فيقول حسن ظني بك حين أخرجتني منها ان لا تردني إليها فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة الوجه الثاني عشر - ان النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى ( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) وقال تعالى ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال تعالى ( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومثلها في آخر الانعام فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية مطلوبة في نفسها واما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه وصفاته وان دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير فإنه سبحانه دائم المعروف لا ينقطع معروفه ابدا وهو قديم الاحسان ابدي الاحسان فلم يزل ولا يزال